الموقع الرسمي للدكتور حمزة زوبع
الدكتور حمزة زوبع
الرئيسية

د. حمزة زوبع يكتب: مصر.. طريق الخروج (1)

16 يوليو، 2026 بقلم hamza zawba

«أوعوا تصدقوا إن مصر ممكن يكون عندها اكتفاء ذاتي من الإنتاج الزراعي، بأقول ده للي بيقول ممكن نعمل اكتفاء ذاتي. مهما عملنا لا يمكن أبدًا تحقيق الاكتفاء الذاتي عشان معندناش الميه ولا الأراضي اللي…

«أوعوا تصدقوا إن مصر ممكن يكون عندها اكتفاء ذاتي من الإنتاج الزراعي، بأقول ده للي بيقول ممكن نعمل اكتفاء ذاتي. مهما عملنا لا يمكن أبدًا تحقيق الاكتفاء الذاتي عشان معندناش الميه ولا الأراضي اللي تكفي» (الجنرال عبد الفتاح السيسي في احتفالية موسم حصاد القمح- 17 أيار/ مايو 2026).

«حد يقول لي متى نشعر بثمار التنمية؟ بأقول له التنمية لا تنتهي، والطموح لا ينتهي، والدولة تستمر في تحقيق إنجاز ثم إنجاز ثم إنجاز للأجيال القادمة» (الجنرال السيسي في نفس الاحتفالية).

باختصار، فإنه وبعد ثلاثة عشر عامًا من الانقلاب لا يوجد شيء على أرض الواقع يستحق الكلام عنه أو الإشادة به كما يرغب ويريد الجنرال في كل لقاءاته الإعلامية المذاعة صوتًا وصورة. بعد ثلاثة عشر عامًا من الانقلاب يقضي الجنرال على ما تبقى لدى المصريين من أمل في التغيير أو التحسين، أو حتى عدم التدهور والانزلاق نحو القاع بسرعات أبطأ مما نحن عليه اليوم.

لا يمنح الجنرال نفسه فرصة لمراجعة كلماته ولا تصريحاته قبل النطق بها أو مقارنتها بما سبق وأن صرح به في بدايات الانقلاب (شهر العسل) واندفاعه بجنون نحو كرسي العرش، وهو يعلم أنه لا طاقة له بالحكم ولا بالإدارة بشكل عام، وبات اليوم في وضع بئيس تعيس وهو يعلن بكل خزي أنه لا مكان ولا إمكانية للاكتفاء الذاتي، وهذا صحيح، فلا «اكتفاء» ذاتيًا في زمن العساكر، بل «انكفاء» ذاتي فرض علينا من جانب الدول الراعية للانقلاب.

بات اليوم في وضع بئيس تعيس وهو يعلن بكل خزي أنه لا مكان ولا إمكانية للاكتفاء الذاتي، وهذا صحيح، فلا «اكتفاء» ذاتيًا في زمن العساكر، بل «انكفاء» ذاتي فرض علينا من جانب الدول الراعية للانقلاب.

هذه المرة وبهذه التصريحات فإن السيسي لا يختلق الأرقام ولا يخترع إنجازات كما اعتاد ولا يحاول تزيين الصورة، بل يتحدث حديث المفلس الذي ضاقت به السبل وأدرك بعد ثلاثة عشر عامًا أن لا قِبل له بحكم مصر بهذه الطريقة (الفهلوية)، والتصريحات العنترية، وادعاء المعرفة والعلم ببواطن الأمور وأسرار الدولة، وأن كل ما يملكه هو قدرته على بيع الوهم وإفشاء الأسرار ونشر تسجيلات المقابلات التي دارت في الخفاء، والكذب على من غيّبهم في السجون وادعاء البطولة.

تبين للجميع اليوم وبهذه التصريحات أن حظ الجنرال من العلم والمعرفة الحقيقية صفر كبير، فقد صرح إبان حملته الانتخابية، وفي أحد لقاءاته التلفزيونية مع بعض الإعلاميين قبيل الانتخابات الرئاسية في 2014، بأنه سيقوم بإضافة أربعة ملايين فدان جديدة للمساحة المزروعة، ولما جادلته المذيعة عن وجود المياه اللازمة من عدمه، قال: لدينا المياه ولدينا الأراضي، وهو عكس ما صرح به قبل يومين، فماذا يعني ذلك؟

فرّط في مياه النيل بتوقيع اتفاق 2015، وفرّط في المساعدات المليارية بإقامة عاصمة الصحراء الجديدة بقرابة خمسين مليار دولار، وأنفق القروض التي اقترضها على الجيش ليسترضيه ويجعله أداته الرئيسية في الحكم عبر المشاريع التي لا عائد منها ولا فائدة ترتجى، كل هذه المليارات كانت كافية لإخراج مصر من أزمتها الاقتصادية وبناء دولة جديدة (على الزيرو)، ثم اليوم يشكو من قلة الأرض وندرة المياه!

خلال أحد لقاءاته الانتخابية مع مجموعة من الإعلاميين المؤيدين للانقلاب قال السيسي: «عندنا مشكلة في الدين الداخلي والخارجي مقداره 1.7 تريليون جنيه، هل مقبول نسيب الدين ده للأجيال القادمة، هل ده الميراث اللي بنورثه لهم؟ لا.. علشان كده لازم نتحرك وبقوة قافزة عشان ما نسيبش لهم دين بالحجم ده ونسيب لهم خير حقيقي».. والواقع يقول إن السيسي ضاعف هذا الرقم أضعافًا مضاعفة، ولا تزال الديون ترتفع وتزداد حتى وصلت إلى 5.2 تريليون جنيه فوائد وأقساط القروض المحلية والأجنبية في موازنة عام 2025-2026، منها 2.4 فوائد الديون.

الوضع الراهن يعني ببساطة حالة من الإفلاس الواضح وعدم القدرة بعد أن قام بتدمير كل شيء، بدءًا من الإنسان الذي هو رأس مال الدول وعمود خيمة التنمية، لكن الجنرال لا يؤمن بالإنسان ولا يعرف المعنى الحقيقي للتنمية.

التنمية في أحد تعريفاتها هي «عملية ارتقاء المجتمع والانتقال به إلى وضع أفضل ممّا هو عليه، وذلك عن طريق استغلال الطاقات المختلفة التي تتوفّر لدى أفراد المجتمع، وتوجيه توظيفها للأفضل»، وبالتالي إذا لم يشعر المجتمع بعملية الارتقاء والانتقال نحو الأفضل فالتنمية غائبة وثمارها ليست موجودة.

وفي تعريف آخر اعتمدته الأمم المتحدة في ما عُرف بإعلان الحق في التنمية، جاءت هذه الفقرة: «تسلم (الأمم المتحدة) بأن التنمية عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم والأفراد جميعهم على أساس مشاركتهم، النشطة والحرة والهادفة، في التنمية وفي التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها».

فالتنمية ليست حكرًا على مجموعة من السكان دون غيرهم، وليست عملية اقتصادية أو إسكانية ترتفع فيها المباني والأبراج السكنية لتلامس عنان السماء، بل هي عملية متكاملة اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا، وبالتالي فالشعور بالنتائج هو أحد أهم سمات التنمية إن وجدت، وإلا فلا تنمية بلا ثمار ولا تنمية من دون نتائج ملموسة.

نعود إلى مصر وما صرح به الجنرال، وقد قال صدقًا بأنه لا ثمار للتنمية، لأنه باختصار لا وجود للتنمية، وإن كان هناك نمو وتضخم في أحد مظاهر الحياة، وهو مشروع التطوير العقاري الذي تولاه الجنرال بنفسه وأطلق عليه العاصمة الجديدة، وسخّر له كافة إمكانيات الدولة لكي يبني ما أطلق عليه العاصمة الجديدة، فأنفق المليارات وترك بقية نواحي الحياة تشكو إلى الله سوء حالها من تعليم وصحة وثقافة، وحتى التنمية الفكرية أصبحت تشبه صحراء العاصمة الجديدة.

لم تكن التنمية في يوم من الأيام هدفًا حقيقيًا لدولة العساكر أو الضباط، بل كان مشروعهم الأساسي هو كيف يسيطرون على الشعوب ويحولونها إلى مجموعة من العبيد أو الرعاع الذين يجب تأديبهم حتى لا يُسمع لهم صوت في أي وقت.

لم تكن التنمية في يوم من الأيام هدفًا حقيقيًا لدولة العساكر أو الضباط، بل كان مشروعهم الأساسي هو كيف يسيطرون على الشعوب ويحولونها إلى مجموعة من العبيد أو الرعاع الذين يجب تأديبهم حتى لا يُسمع لهم صوت في أي وقت.

لو أخذنا على سبيل المثال موضوع التعليم، فقد قضى الجنرال على التعليم وقلص ميزانيته وطالب رؤساء الجامعات بالتفكير في تحويل الجامعات من مراكز للإنفاق الحكومي إلى مراكز للربح، من خلال تشجيعهم على افتتاح جامعات أو ما يشبه الجامعات الخاصة والأهلية التي لا تنفق عليها الحكومة، ويكون المواطن هو مصدر تمويل تلك الجامعات، وتغسل الحكومة يدها من التعليم الجامعي كما تغسلها من التعليم في المراحل الأولية، وقد شهد عصر الجنرال إنشاء جامعات أو ما يشبه الجامعات (ليست ملزمة بشروط الجامعات الدولية من حيث المناهج ولا الكوادر ولا التعليم ما بعد الجامعي).

ولو نظرنا إلى الصحة، فقد تم خصم الميزانية المخصصة لها وفق الدستور، كما تم بيع جزء من القطاع الصحي لدولة الإمارات، وتراجع دور المراكز الصحية في القرى والمحليات، وتقلصت ميزانيات المستشفيات العامة، وتُرك المواطن نهبًا لمستشفيات القطاع الخاص بلا دعم ولا سند من الحكومة التي تلزمه بدفع الضرائب والمكوس، فكيف يقوم بالتنمية مواطن عاطل مريض لا يجد من يعالجه ولا من يوفر له فرصة عمل حقيقية؛ وليست موسمية يوفرها الجيش بدون تأمين أو ضمان اجتماعي أو علاج للعاملين لديه أو المسخّرين لخدمته؟

كيف نخرج من المأزق؟

البداية تكون من تعريف الوضع الراهن وتوصيفه:

1- هل هو وضع مؤقت يمكن معالجته؟ أم هو وضع مستمر أو قابل للاستمرارية، ومن الصعب أو من المستحيل علاجه؟

2- هل نحن أمام تحديات اقتصادية يمكن معالجتها بإجراءات اقتصادية ومالية بحتة؟ أم نحن في مواجهة أزمة أستطيع القول بأنها إنسانية شاملة، فليس الاقتصاد وحده المأزوم، بل كل نواحي الحياة، وعلى رأسها المواطن نفسه الذي بات يائسًا عاجزًا لا يملك من أمر نفسه شيئًا؟

ثم الخطوة التالية تكون بالسؤال عن قدرة النظام العسكري الحاكم على مواجهة هذا الوضع والمدى الزمني المطلوب للخروج؟

ثم إذا ثبت، كما هو واضح، أن النظام العسكري الحاكم ليس بمقدوره تغيير أو تحسين أو تعديل أو الخروج من هذا الوضع المتردي، فمن إذن يستطيع؟

نكمل في المقال القادم إن شاء الله.
:::

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *