الموقع الرسمي للدكتور حمزة زوبع
الدكتور حمزة زوبع
المقالات

إنها الفوضى يا عزيزي

بقلم د. حمزة زوبع 27 أكتوبر، 2026 قراءة 1 دقيقة

"بينما نتحرك نحو شرق أوسط جديد، على مدى السنوات، وأعتقد على مدى العقود القادمة، سنجعل الكثير من الناس متوترين جداً. سنسمع، على سبيل المثال، نظام…

د. حمزة زوبع
عن الكاتب

د. حمزة زوبع

تابع مقالات الكاتب ومواده المنشورة على الموقع.

جميع المقالات

"بينما نتحرك نحو شرق أوسط جديد، على مدى السنوات، وأعتقد على مدى العقود القادمة، سنجعل الكثير من الناس متوترين جداً. سنسمع، على سبيل المثال، نظام مبارك في مصر أو العائلة السعودية الملكية يفكرون في هذه الأفكار التي ينشرها هؤلاء الأمريكيون عن الديمقراطية في هذا الجزء من العالم. يجب أن يكون ردنا: جيد. نريدكم أن تكونوا متوترين. نريدكم أن تدركوا الآن، وللمرة الرابعة خلال مئة عام" (تصريحات مدير المخابرات الأمريكية المركزية الأسبق جيمس وولسي- صحيفة الجارديان البريطانية- 20 تموز/ يوليو 2002.

"إننا بإبادة إيران نكون قد خلقنا السلام في العالم. مع إيران لا أعتقد أنه يمكن تحقيق السلام أبداً" (دونالد ترامب- حوار مع مجلة تايم الأمريكية- تشرين الأول/أكتوبر 2026).

في العام الماضي قامت أمريكا و"إسرائيل" بقصف بعض المنشآت النووية الإيرانية وعلى رأسها مفاعلي فوردو وناطنز بقنابل (GBU) ويبلغ وزن القنبلة الواحدة 30 ألف رطل، وهي مصممة للاختراق العميق (200 متر تحت الأرض)، وأُسقطت باستخدام القاذفات الشبحية (B-2 Spirit)، وهذه هي أول يتم استخدام هذه القنابل عمليا. كما استُخدمت صواريخ توماهوك أُطلقت من غواصة أمريكية لاستكمال القصف. وفي هذا القصف استخدمت أمريكا 125 طائرة بما فيها مقاتلات وطائرات تزويد بالوقود.

ما جرى في العام الماضي لم يكن كافيا لإشعال حرب في المنطقة، فقد تم احتواء نطاق تبادل الهجمات بين إيران وتل أبيب ولم يتم استهداف أي مكان آخر في المنطقة، بينما الهدف في رأيي كان إشعال حريق هائل في المنطقة وهو ما لم يحدث في 2025، وبالتالي كان لا بد من حصوله في 2026 بأي شكل


ما يهمني هنا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرح ساعتها بتصريحه الشهير "لقد تم تدميرها كليا وتماما"، وشككت وسائل الإعلام الأمريكية في الأمر، وجادل ترامب بأن إيران باتت بلا منشآت نووية. واستمرت الحرب أو الحملة 12 يوما، قصفت فيها إيران مدن الكيان الصهيوني، مما اضطر ترامب لوقف الحرب واعتبر أن المسألة منتهية، ولم تكن قد انتهت ولكن ترامب ضيع وقتا طويلا في محاولة ترسيخ روايته للقصة وفشل بامتياز وأصبح أضحوكة في وسائل الإعلام الأمريكية.

فماذا استفادت أمريكا ومن ورائها دولة الكيان من هذا القصف؟ قد يقول قائل لقد دمروا المنشآت النووية بدرجة كبيرة؛ هذا صحيح وبالتالي لننتظر قليلا حتى نفهم هل كانت أمريكا ودولة الكيان تريدان حقا تدمير المنشآت النووية، وإذا كان ذلك صحيحا فلماذا عاودوا القصف والقتل فجر يوم 28 شباط/فبراير 2026، يعني خلال أقل من سنة من الحرب الأولى؟ أليس لنفس السبب؟ فلماذا تكرر نفس الفعل لتحصل على نتيجة حاصلة بالفعل؟

الإجابة هي أن ما جرى في العام الماضي لم يكن كافيا لإشعال حرب في المنطقة، فقد تم احتواء نطاق تبادل الهجمات بين إيران وتل أبيب ولم يتم استهداف أي مكان آخر في المنطقة، بينما الهدف في رأيي كان إشعال حريق هائل في المنطقة وهو ما لم يحدث في 2025، وبالتالي كان لا بد من حصوله في 2026 بأي شكل وبأي طريقة ولو كانت غير قانونية وغير شرعية وغير آدمية.

الحرب التي لم تتوقف منذ 28 شباط/فبراير 2026 كشفت عن تغير في الأهداف التي وكما يعلم الجميع لم يتحقق منها شيء، فلماذا تستمر الحرب إذن؟

الإجابة تكمن في الهدف الحقيقي غير المعلن، وهو إحداث حريق هائل في المنطقة العربية خصوصا في الخليج العربي وإيران. فالملاحظ أنه لا أمريكا تجرأت وأعلنت انتصارها وبالتالي وقف الحرب، ولا دولة الكيان توقفت عن تحريض أمريكا على الاستمرار في الحرب حتى آخر دولار في الخزينة الخليجية التي تمول الحرب بغض النظر عن نتائجها.

الهدف غير المعلن هو الفوضى الكاملة والتامة من خلال إنهاك إيران بحيث تصبح غير قادرة على تحدي دولة الكيان في مستقبل الأيام كما فعلت في حزيران/يونيو 2025، وإضعاف دول مجلس التعاون الخليجي بحيث تستنجد بدولة الكيان، وبالتالي تجد دولة الاحتلال موطئ قدم لها وبشكل رسمي في دول الخليج بعد أن يتم استنزاف تلك الدول وتصبح دولة الكيان هي الملجأ الأخير. وهنا يأتي دور بعض رجال الدين السلطاني وبعض الإعلاميين المستأجرين عبر الشاشات لإلقاء اللائمة على إيران في استعانة دول الخليج بتل أبيب، كما فعلت تلك النخب الفاسدة في موضوع الاستعانة بـ"الكفار والمشركين" في حرب تحرير الكويت عام 1991.

ظهرت بشائر هذه الفوضى حين التقى وفد أمني عسكري بممثلين عن دول الخليج في ألمانيا ولأول مرة في 16 أيلول/سبتمبر 2026، وتم الاكتفاء بالقول إن الوفد الصهيوني التقى فقط بوفد إماراتي وليس خليجيا، بينما الحقيقة أنه كان وفدا عربيا خليجيا ومن الأردن ومصر لمناقشة أمور تتعلق بالحرب على إيران، ثم وفي 28 من نفس الشهر زار نتنياهو الإمارات والتقى بمحمد بن زايد، ولم تنكر الإمارات القصة بل واعتبرت أنها تعمل في النور ولا تختبئ كما يفعل آخرون.

هدأت الحملة العسكرية على إيران لتطفو على السطح حرب جديدة وهي حرب اليمن، والتي أسميها الحرب على اليمن، والتي أراها الجزء الثاني من حرب الفوضى في الخليج. فالسعودية ليست في حاجة لحروب أخرى بعدما جرى من دمار وخسائر اقتصادية في الحرب على إيران، فقد تضررت بشكل كبير بسبب الاعتداءات الإيرانية على القواعد والقوات الأمريكية في السعودية، وتضررت بسبب قصف منشآتها النفطية كذلك سواء بالقصف الإيراني أو بقصف الحوثي بعد أن قصفت السعودية مطار صنعاء الأمر الذي اعتبره الحوثي بمثابة إعلان حرب، وبالتالي اندلعت الحرب وقررت السعودية أن تعاود الكرة من جديد رغم فشلها على مدار ما يزيد عن أحد عشر عاما من الوحل اليمني، ومع ذلك تعاود السعودية -رغم تحذيرات الأصدقاء والمقربين- لكي تشن حربا تكلفها المليارات إضافة إلى مليارات أخرى أُنفقت من قبل ولم تحدث أي تغيير في اليمن.

لماذا نكرر تجارب الفشل؟ هل لنثبت أننا لا نفشل، أم لتأكيد أننا فاشلون بامتياز؟ والسؤال الأهم لماذا لم تهب أمريكا لدعم السعودية في حربها ضد اليمن أو الحوثي كما يحب البعض أن يصف هذه الحرب؟ لماذا يقف ترامب متفرجا وهو يرى مطار الملك خالد يدمر وخطوط النفط تشتعل فيها الحرائق، لماذا؟

السبب هو الفوضى المطلوب إحداثها في المنطقة والتي تسعى دولة الكيان من خلالها إثبات وجودها وجاهزيتها لتقديم يد العون للسعودية في مواجهة الحوثيين. إي والله، لقد أعلنت دولة الكيان عن تضامنها مع السعودية في حربها على الحوثي وأعلنت استعدادها لتقديم الدعم العسكري اللازم، قبل أن تقوم مصر بالإعلان على لسان وزير خارجيتها عن ذلك.

لماذا تخوض السعودية حربا في اليمن؟ وهل يمكنها تحقيق أهداف عملية فجر اليمن الحالية؟ هل تستطيع السعودية تحرير صنعاء أو على قول أحد المحللين الكبار "فتح صنعاء"، أم أن الأمر أشبه بالأوهام والشعارات؟ فمن ذا الذي سيفتح صنعاء ومن ذا الذي سيحكمها، هل آل سعود أم اليمنيون؟ وأين هم اليمنيون الآن وهم مشتتون بين جنوبي وإسلامي سني وعميل إمارات وآخر يقاتل باسم السعودية العظمى؟

هذه الفوضى تستهدف في المقام الأول السعودية الشقيقة بعد أن تم تدمير قوة مصر في كافة المجالات، فالدور اليوم على السعودية التي يبدو أن قاداتها غير معنيين بالمسألة اللهم إلا إثبات أنهم يسيطرون على الأمور


هل يمكن للسعودية من خلال هذه الحرب توحيد اليمن؟ هل يمكن لها أن تحمي مضيق باب المندب؟ وهل يمكنها منع الصواريخ الباليستية التي تستهدف أهم مراكز الحياة في العاصمة الرياض؟

ما يجري هو مزيد من الإنفاق العسكري وجعل المنطقة في حالة حرب، هذه المرة حرب عربية عربية حتى لا تتهم أمريكا ودولة الكيان بأنهما فقط من يشن الحروب على العرب، فالعرب يحاربون بعضهم البعض ويقتلون بعضهم البعض ويرفعون شعارات الموت للحوثي والموت للسنّة والعالم يتفرج وينسى جرائم الكيان الصهيوني، لا بل إن بعض الصحفيين والساسة يغسلون يد الكيان الصهيوني من الدماء العربية ويتهمون عربا آخرين مثل الحوثي أو إيران بأنهم يقفون وراء القتل والفوضى.

الفوضى الجارية صناعتها اليوم في المنطقة ليست فوضى خلاقة كتلك التي بشرت بها كونداليزا رايس إبان حكم بوش الابن في 2005 في مقابلتها مع صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية، لا بل إنها فوضى من أجل الفوضى ودمار من أجل الدمار والموت والخراب الذي لن يكون من بعده إعمار، بل إغراق المنطقة في بحر الظلمات وتركها بنفطها وغازها نهبا للمستعمر الجديد أمريكا ودولة الكيان.

وهنا وللتاريخ أقول وأذكر بأن هذه الفوضى تستهدف في المقام الأول السعودية الشقيقة بعد أن تم تدمير قوة مصر في كافة المجالات، فالدور اليوم على السعودية التي يبدو أن قاداتها غير معنيين بالمسألة اللهم إلا إثبات أنهم يسيطرون على الأمور وهم ليسوا كذلك للأسف.

هذه الفوضى تستهدف بلاد الحرمين فمن يسمع ومن يجيب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *